محمد الغزالي
31
فقه السيرة ( الغزالي )
وقد استوقف الأمر ب قالَ نظر العلماء ؛ إنه تعليم من اللّه لرسوله صلى اللّه عليه وسلم ؛ وتعليم من الرسول للناس ، وقد سيقت بعد هذا الأمر الأقوال التي تضمّنت ما شاء اللّه من النصائح والعظات والأحكام . فعند ما أحبّ المشركون - على عادتهم - أن ينقلوا ميدان الجدل من حقيقة الدين ، إلى شخص الرسول صلى اللّه عليه وسلم وأتباعه ؛ نزلت الآيات : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ( 28 ) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 29 ) [ الملك ] . فانظر كيف يستخلص اللّباب وسط غبار الجدل ! ما يجديكم تنقّص الرسول صلى اللّه عليه وسلم ومن معه ؟ فكّروا في أنفسكم كيف أهلكتها الخرافات ، وشردت بها عن الجادة ! إنه ليس لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومن معه تفكير في أنفسهم وحظوظها ، إنهم دعاة للرحمن ، آمنوا به ، وتوكّلوا عليه فإن شئتم فالطريق إلى الرحمن ميسرة . وليس من الضروري أن يقع سؤال ما لتأتي الإجابة عليه من لدن اللّه قالَ ! ! فربما يجيء السياق على هذا النحو ابتداء عند عرض أصول الدعوة وآدابها ، وتكون الغاية منه التعريف بالإسلام ونبيّه تعريفا مشبعا مقنعا ، يستأصل الرّيب قبل أن تولد : قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 161 ) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 162 ) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ( 163 ) قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [ الأنعام ] . فالخطاب للرسول صلى اللّه عليه وسلم هنا يتضمّن أمرا إلى كل حيّ وجد في عهده ، أو يوجد من بعده : أن يتدبّر - بعقله - ما يلقى إليه ، وأن يحكم - بضميره - على مدى صحته وإخلاصه . فإذا تعلّق بقلبه إيمان فهو إيمان بربّ كل شيء ، وعمل الرسول صلى اللّه عليه وسلم ينتهي عند هذا الحدّ ، عند وصل العقول والقلوب ببارئها ، وإيضاح الصراط المستقيم لها ، وعلى كلّ إنسان تحمّل تبعته في فعل الخير أو الشرّ بعد ذلك . فليس الرسول صلى اللّه عليه وسلم وسيطا يحمل لك خيرا قدمته ، ولا قربانا يحمل عنك